استحالة الجيلاتين بين العلم والفقه

استحالة الجيلاتين بين العلم والفقه

يمثل المسلمين حوالي 30% من سكان العالم ويقدرون بحوالي 2 مليار انسان. يعيش 70 % من المسلمين في آسيا بينما يعيش 20% منهم في الشرق الأوسط. ومن المتوقع تزايد هذه الأرقام لتصبح حوالي 2.7 مليار انسان بحلول عام 2030. وهذا يعني زيادة الطلب على المنتجات الحلال.

تعتبر الصناعات الغذائية أحد أكبر الاهتمامات في المجتمع الاسلامي. أدى التطور السريع في تكنولوجيا الأغذية إلى ظهور أنواع وأنماط جديدة من الأغذية والمكونات الغذائية في الأسواق. ويتم انتاج العديد من المكونات الغذائية من مصدر مشبوهة. علاوة على ذلك، فإن قلة وعدم وعي المستهلكين المسلمين تجاه الأغذية الحلال قد تؤدي إلى مشاكل في اختيار المنتجات الغذائية الحلال. وتعتبر مسألة مادة الجيلاتين واحدة من أكثر القضايا المثيرة للجدل في صناعة المواد الغذائية في العالم الاسلامي.

الجيلاتين: الجيلاتين هو عبارة عن بروتين حيواني يستخلص عن طريق عملية التحلل المائي الجزئي للكولاجين المستخلص من الجلود والعظام والأنسجة الرابطة للحيوانات مثل الخنازير والأبقار والدواجن والأسماك وغيرها.

الجيلاتين هو أحد أكثر البوليميرات الحيوية المستخدمة في الأغذية والأدوية ومستحضرات التجميل بسبب وظائفها المميزة ومميزاتها التكنولوجية. يستخدم الجيلاتين في الصناعات الغذائية في كل من الحلويات (بشكل رئيسي لتزويد خصائص المضغ، والقوام ثبات الرغوة) في منتجات التغطية قليلة الدهون (لتأمين خصائص الكريمية وخفض الدهون والشعور بالفم) وفي منتجات الألبان (لإعطاء القوام والثبات) ومنتجات المخابز (لتأمين خصائصالاستحلاب والجيلية والثبات) ومنتجات اللحوم (لتأمين ربط الماء).

وتشير التقديرات على أن الانتاج العالمي للجيلاتين حوالي 326000 طن، والنسبة العظمى منه يستحصل عليها من جلود الخنازير والتي تمثل حوالي 46% من الانتاج العالمي، وتليه جلود الأبقار بحوالي 29.4 %، ثم العظام (سواء من الأبقار أو الخنازير) بحوالي 23.1 %، بينما تمثل المصادر الأخرى حوالي 1.5%. بينما في أوروبا فإن 80% من الجيلاتين المأكول يستخلص من جلود الخنازير.

حرم الله تعالى على المسلمين في قرآنه العظيم الأغذية تناول الأغذية المحرمة أو المشبوهة. حيث قال الله تعالى:

﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ المائدة- 3.

أجمع الأئمة على تحريم سائر أجزاء الخنزير ولم يفرقوا بينها في الحكم لأنهم فهموا النصوص على قواعد اللغة المعتبرة. قال الفخر الرازي: (أجمعت الأمة الإسلامية على أن الخنزير بجميع أجزائه محرم وإنما ذكر الله تعالى اللحم لأن معظم الانتفاع يتعلق به). وقال القرطبي: (أجمعت الأمة على تحريم شحم الخنزير). وحكاه الموفق والنووي وغيرهم. وقال ابن حزم: (لا يحل أكل شيء من الخنزير لا لحمه ولا شحمه ولا جلده ولا عصبه ولا غضروفه ولا حشوته ولا مخه ولا عظمه ولا رأسه ولا أطرافه ولا لبنه ولا شعره الذكر والأنثى الصغير والكبير سواء).

إن من فرق بين أجزاء الخنزير فرخص في العظم يلزمه أن يخص التحريم باللحم الهبر فقط ويرخص في جميع أجزاءه من عظم وجلد وطحال وكبد وشحم وعصب ولية وغيره وليس عنده دليل صريح صحيح بإخراج هذه الأجزاء من التحريم. ولم يرد في الشرع ما يدل على ذلك والأصل دخولها في التحريم.

يتفق جميع العلماء على أن الجيلاتين المستخلص من حيوان جائز اللحم ومذبوح شرعاً هو حلال. وعلى أي حال هناك بعض الجدل حول الجيلاتين المستخلص من الخنزير أو الميتة. حيث سنناقش هنا امكانية حصول الاستحالة للجيلاتين من الناحية العلمية والفقهية.

الاستحالة: يقصد بالاستحالة في الاصطلاح الفقهي تغيّر حقيقة المادة النجسة أو المحرم تناولها وانقلاب عينها إلى مادة أخرى مباينة لها في الاسم والخصائص والصفات ويعبر عنها في الاصطلاح العلمي الشائع بأنها كل تفاعل كيميائي يحوّل المادة إلى مركب آخر

قال ابن عابدين أن الاستحالة هي التغير وانقلاب الحقيقة، ثم ذكر أمثلة للاستحالة، ثم قال: فإن ذك كله انقلاب حقيقة إلى حقيقة أخرى، لا مجرد انقلاب وصف. وقد ذكر الدكتور حامد جامع في الندوة الفقهية الطبية التاسعة ضوابط الاستحالة حيث قال: “يجمع ضوابط الاستحالة المعتبرة شرعاً أن تنقلب عين المادة – موضوع الحكم الشرعي – انقلاباً كاملاً وشاملاً. فتتغير طبيعتها وأوصافها وخواصها بحيث لا تماثل في شيء منها ما كان قبل الاستحالة، بل تستقل بطبيعة جديدة، وتتميز بحقيقة أخرى، وتنفرد باسم آخر غير الاسم الأول.

فإذا أخذنا المثال الأشهر في موضوع الاستحالة ألا وهو استحالة الخمر (الايثانول) إلى خل (حمض الخل) فإننا نلاحظ أن المادة الخام (الايثانول) ينتمي إلى عائلة الكحولات بينما المادة التي حصلت لها استحالة (حمض الخل) تنتمي إلى عائلة الأحماض، وهذا يعني تغير كامل في الخواص الفيزيائية والكيميائية أي هو انقلاب حقيقة إلى حقيقة أخرى، لا مجرد انقلاب وصف.

هل يمكننا اعتبار تحول الكولاجين إلى جيلاتين هو استحالة؟؟

إن ما يحدث في تحول الكولاجين إلى جيلاتين ما هو إلا تغير وليس استحالة للخصائص الفيزيائية والكيميائية للبروتين ومفهوم تبديل الماهيات لا ينطبق، حيث يعرف الجيلاتين على أنه بروتين يستخلص عن طريق التحلل المائي الجزئي للكولاجين. وسنشرح هذا الموضوع بمزيد من التفاصيل.

انتاج الجيلاتين

يوجد نوعين رئيسين من الجيلاتين:

الجيلاتين أ: حيث أن المادة الخام الرئيسية هي جلود الخنازير، حيث تجرى للكولاجين معاملة أولية بالأحماض لمدة 24 ساعة ثم بعدها يصبح الجيلاتين قابل للاستخلاص.

الجيلاتين ب: حيث أن المادة الخام الرئيسية هي جلود وعظام الأبقار، حيث تجرى للكولاجين معاملة أولية بالقلويات لمدة تصل لعدة أسابيع ثم بعدها يصبح الجيلاتين قابل للاستخلاص.

تتضمن عملية استخلاص الجيلاتين من الكولاجين ثلاث مراحل رئيسية:

المرحلة الأولى: المعاملة الأولية: وذلك حتى تصبح المادة الخام جاهزة لخطوة الاستخلاص الرئيسية كما يتم فيها إزالة الشوائب والتي من الممكن أن تؤثر على الخصائص الفيزيائية والكيميائية للمنتج النهائي للجيلاتين.

المرحلة الثانية: الاستخلاص: تتم عن طريق إضافة الماء الساخن أو محلول مخفف من الأحماض المخففة من أجل حدوث تحلل مائي جزئي للكولاجين.

المرحلة الأخيرة: وتتضمن عمليات التنقية والفلترة والتبخير والتعقيم والتجفيف والطحن والنخل.

يحدث تحول الكولاجين الغير قابل للذوبان في الماء إلى جيلاتين القابل للذوبان للماء عن طريق تحطم بعض الروابط الداخلية أو الخارجية في الكولاجين، وبالتالي فإن الجيلاتين المتحصل عليه هو عبارة بروتين ذو وزن جزيئي أقل من الكولاجين.

تؤدي معاملة الكولاجين بالأحماض والقلويات إلى حدوث تغيير في التركيب الثالثي للبروتين عن طريق تفكيك الروابط الهيدروجينية بين السلاسل البروتينية وتكسير لبعض الروابط الببتيدية مما يعطي بروتينات ذات وزن جزيئي أصغر وقابلة للذوبان في الماء. مع ملاحظة عدم حدوث تغير في التركيب البنائي الأولي والثانوي للبروتين أي أنه لا يحدث تغيير في التركيب الحلزوني للبروتين كما لا يحدث تغير في تسلسل الأحماض الأمينية المكونة للبروتين والتي هي مسؤولة عن التركيب الكيميائي.

تسبب معاملة الكولاجين بالأحماض والقلويات تغيرات في التركيب الرابعي للبروتين عن طريق تفكيك بعض الروابط الهيدروجينية بين السلال البروتينية، وتحطيم بعض الروابط الببتيدية، مما يسبب تكوين بروتين ذو وزن جزيئي أقل وقابل للذوبان في الماء. من ناحية أخرى فإنه لا يحدث أي تغيير على مستوى التركيب الأولي والثانوي للبروتين. أي أنه لا يتم حدوث أي تغيير في التركيب الحلزوني للبروتين ولا يحدث تغيير في تسلسل الأحماض الأمينية والتي هي مسؤولة عن التركيب الكيميائي. بالإضافة إلى ذلك فإن تقانات التحليل الحديثة تستطيع معرفة نوع الحيوان من خلال تحليل الجيلاتين.

ومن أجل فهم أكبر للبروتين يمكننا توضيح تركب البروتين:

فالبروتين له تركيب أولي وهو يعود إلى تسلسل الأحماض الأمينية في السلاسل الببتيدية وهذا التسلسل هو الذي يميز بروتين عن آخر وهو المسؤول عن تحديد الخصائص العامة الفيزيائية والكيميائية.

أما التركيب الثانوي للبروتين فينشأ نتيجة الروابط الهيدروجينية في السلاسل الببتيدية سواء كانت هذه الروابط داخل نفس سلسلة الببتيد أو بين سلاسل متجاورة، وهو ما يعطي التركيب الحلزوني للبروتين.

بينما التركيب الثالثي للبروتين يتكون عند ثني السلاسل الببتيدية أو طيها مع بعضها البعض بواسطة الروابط الهيدروجينية وروابط الداي سلفايد وقوى فاندرفالس.

DNA

إن عملية تحول الكولاجين إلى جيلاتين ذائب تعود إلى تحطم بعض الروابط الداخلية والخارجية للتركيب الجزيئي للكولاجين. وبالتالي الجيلاتين المتحصل عليه يكون ذو وزن جزيئي أقل من الكولاجين. يجب اجراء معاملة أولية للكولاجين غير الذائب من أجل الحصول على الشكل الذواب والذي يتم عادة عن طريق المعاملة بالماء الساخن على درجات حرارة أعلى من 45 م. المعاملة الكيميائية الأولية سوف تحطم الروابط غير التساهمية مما يسبب في خلل في تركيب البروتين مما يسبب في زيادة الذوبان. تسبب المعاملة الحرارية اللاحقة إلى تكسير الروابط الهيدروجينية والروابط التساهمية وبالتالي زعزعة الاستقرار في الحلزون الثلاثي، والتحول إلى الجيلاتين القابل للذوبان.

الفرق بين الكولاجين والجيلاتين

بالنسبة للتركيب الجزيئي للكولاجين فهو عبارة عن بروتين حلزوني يتكون شكل رئيسي من تتابع متكرر للأحماض الأمينية الجلايسين، X، Y حيث عادة ما يكون الحمض الأميني X هو البروتين والحمض الأميني Y هو الهيدروكسي برولين.

وإذا ما قارناه مع التركيب الجزيئي للجيلاتين نجد أنه يتكون أيضاً من تتابع متكرر للأحماض الأمينية الجلايسين، X، Y حيث عادة ما يكون الحمض الأميني X هو البروتين والحمض الأميني Y هو الهيدروكسي برولين. وبالتالي نلاحظ أن التركيب الجزيئي للكولاجين والجيلاتين تقريباً متطابق.

تتأثر الخصائص الكيميائية للجيلاتين بتركيب الأحماض الأمينية والتي هي نفس الأحماض الأمينية المتحصل عليها من الكولاجين، وبالتالي فإن الخصائص الكيميائية للجيلاتين تتأثر بنوع الحيوان ونوع النسيج.

إذا متى نستطيع أن نقول أنه حدثت استحالة للبروتين ؟

تحدث الاستحالة للبروتين في حال تغير التركيب الرئيسي للبروتين وانقلبت ماهيته وذلك في حال تغير التركيب الأولي والنوي للبروتين وتغير تركيب وترتيب الأحماض الأمينية وهذا ليس حاصلاً في الجيلاتين عند استخلاصه من الكولاجين. كما أننا نستطيع معرفة نوع الحيوان من خلال تحليل الجيلاتين بطرق التحليل الحديثة.

وبناء على ما تقدم ، الأصل في الخنزير وما تفرع منه هو الحرمة واعتماداً على القاعدة الفقهية وهي أنه لا يزال عن الأصل إلا بيقين، وبما أن الأصل في الخنزير وما تفرع منه هو النجاسة فإن الجيلاتين المستخلص من الخنزير أو من الميتة هو نجس العين ويحرم استخدامه في الأغذية.

News Reporter