الدكتور حسين كامي بيوكوزر
نسأل الله العلي القدير أن تكون بداية الأشهر الثلاثة المباركة التي سنستقبلها في الحادي والعشرين من ديسمبر، وليلة الرغائب التي سنحييها في الخامس والعشرين منه، وسيلة للعفو والمغفرة، وأن تحمل معها الرحمة والخير لكم ولشعبنا وللمسلمين وللبشرية جمعاء.
سواء أدركنا ذلك أم لم ندرك، فإننا ننزلق بعيدا عن الأهداف الحقيقية للقيم الجوهرية وسط صخب الحياة اليومية وضجيجها. وفي هذا العصر المريب والمضطرب الذي نمر به، نكاد نفقد ذواتنا تحت وطأة الأجندات الزائفة والمصطنعة التي تفرض علينا من كل جانب كالقصف المتواصل.
هذه الأجندات الزائفة التي نتحدث عنها تنسينا في الغالب الغاية الحقيقية من وجودنا في هذا العالم. والحال أننا يجب أن نكون في تيقظ دائم ضد هذا النوع من الانشغالات التي تبعدنا عن هدفنا الأسمى، وألا نسمح لها أن تجد سبيلا للتسلل إلى أرواحنا وتحصينها في شباكها. وفي مثل هذه اللحظات العصيبة، قيض الله لنا فجأة فرصة ذهبية في هذه الأيام؛ وهي الأشهر الثلاثة! وفي الواقع، يمكننا تسميتها بالأجندة الحقيقية والإلهية. ذلك لأن الحق سبحانه وتعالى يفيض في هذه الأشهر بعفوه ومغفرته ونعمه كالغيث الهتان. فكل أيام وليالي رجب وشعبان ورمضان مفعمة بفيوضات وبركات ربانية مباغتة.
علاوة على ذلك، فإن ليالي الرغائب والمعراج والبراءة والقدر الواقعة ضمن هذه الأشهر، قد حفت من المكرمات الإلهية بما لا يمكن تقييمه بأي مقياس مادي أو دنيوي. وفي الحقيقة، إن استطعنا بليل من يقظة القلب والدقة والإخلاص أن ننهل من فيوضات هذه الأيام ولياليها، فبإمكاننا تدارك الكثير من نواقصنا في طريقنا المعنوي، والتطهر من آثامنا حتى نغدو أنقياء كالصفاء. فماذا عسانا أن نفعل؟ وكيف نستثمر هذه الأشهر الثمينة حق الاستثمار لننهل من عطاياها بملء الوفاض؟
يجب على المؤمنين في هذه الأيام أن يتبادلوا التهاني والتبريكات، ويتداعوا إلى الموائد والضيافات، كما ينبغي إدخال السرور على قلوب الأطفال، وجبر خواطر الفقراء، وقضاء حوائج المحتاجين، والتماس دعوات الوالدين وكبار السن الأبرياء. وبالجملة، يجب إحياء هذه الأشهر بروح أكثر حيوية وعطاء. وبينما يتم القيام بكل ذلك في أجواء من التنافس في الخيرات، يجب توخي أقصى درجات الحيطة لعدم التفريط في الإخلاص ولو للحظة واحدة؛ إذ إن عملا قليلا بإخلاص، أرجح عند الله من أعمال كثيرة تفتقر إليه.
بهذا المسلك، يحل السلم في المجتمع، وتتهيأ الأرضية لاستنزال الرحمات الإلهية من خلال خلق أجواء معنوية سامية. فالعبادات المقامة، والقرآن المتلى، والدعوات الصاعدة إلى الحق سبحانه وأنين القلوب المكلومة، ودموع الخشية، والتوبة والاستغفار؛ كلها تجذب الرحمة الإلهية كما تجذب السحب الماطرة غيث السماء. فإذا ما غمرت الرحمة الإلهية سماواتنا، تلتها ألطاف ومنن وإكراميات وعطايا تتدفق كالأمطار التي هي شريان الحياة. وبذلك، تطهر قطرات الرحمة الهاطلة حياتنا المعنوية التي تلوثت بالذنوب والغفلة. فماذا ننتظر بعد؟ هيا بنا جميعا، كأناس اشتاقوا للنفحات والألطاف الربانية، نتهيأ لاستجلاب سحب الرحمة التي ستمسح على رؤوسنا، ونستعد لما سيعقبها من فيوضات إلهية عظيمة.
- لنكثر من تلاوة القرآن الكريم، مع السعي الحثيث لتدبر آياته وفهم معانيه.
- لنصل على النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، راجين شفاعته، ومستنيرين بهديه.
- لنجتهد في إقامة الصلوات، قضاء ونافلة، تقربا إلى الله زلفى.
- لنخل بأنفسنا في خلوة تفكر، نتدبر فيها غاية وجودنا في هذه الدنيا ومصيرنا فيها.
- لنقبل على الله بتوبة نصوح واستغفار من أعماق القلوب، سائلين إياه بجاه هذه الأيام المباركة أن يمحو خطايانا.
- لنخصص قائمة بالدعاء، نفيض فيها بالخير والبركة على من نحبهم من أهل وخلان.
- لنحي ليلنا بالتهجد وصالح الأعمال، مخصصين أياما معلومة من الأسبوع لهذا الشأن.
- لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الصيام في هذه الأيام ويسارع في الخيرات؛ فلنقتد به ما استطعنا، ولندخل السرور على قلوب المحتاجين ببذل ما تجود به أنفسنا من صدقات.
“اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلغنا رمضان! إننا نروم تقاسم المحبة والأخوة والصداقة، فبلغنا يا رب مرامنا هذا.”
كان الله في عوننا و ناصرا لنا...





